النويري
150
نهاية الأرب في فنون الأدب
وربما تجمّل الرئيس فقال لمؤاكله : اغسل يدك مكانك ولا تبرح . فالغبىّ يغتنم ذلك ويفعل ، والفطن يأباه ويسلك سبيل الأدب ، فيخفّ على القلب . هذا بعد الطعام . وأما قبله فجائز أن يغسل اليد بحضرة الرئيس . وأما الخلال فلا يستعمل بحضرته البتة . وأما آداب الأكل بين يدي الرئيس - ألَّا يخلط طعاما بطعام ، ولا يغمس اللقمة بالخل ثم يضعها في الطعام ، ونحو ذلك . هذا ما يلزم نديم الملك ومؤاكله . وقد ذكرنا مما يجب للملك على رعيته من المناصحة والأدب والتوقير والتعظيم فيما تقدّم ما يدخل في هذا الباب ، فلا فائدة في تكراره . فلنذكر ما ورد في النهى عن صحبة الملوك . ذكر ما ورد في النهى عن صحبة الملوك والقرب منهم قد نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا : إن الملوك إذا خدمتهم ملَّوك ، وإن لم تخدمهم أذلَّوك . وإنهم يستعظمون في الثواب ردّ الجواب ، ويستقلَّون في العقاب ضرب الرقاب . وإنهم ليعثرون على العثرة اليسيرة من خدمهم فيبنون لها منارا ، ثم يوقدون لها نارا ، ويعتقدونها ثارا . وقال ابن المقفّع : إن وجدت عن السلطان وصحبته غنى فصن عنه نفسك ، واعتزله جهدك ؛ فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذّة الدنيا وعمل الآخرة . وقال العتّابىّ وقد قيل له : لم لا تقصد الأمير فتخدمه ؟ فقال : لأنى أراه يعطى الواحد لغير حسنة ولا يد ، ويقتل الآخر بلا سيئة ولا ذنب ، ولست أدرى أىّ الرجلين أكون ، ولست [ 1 ] أرجو منه مقدار ما أخاطر به . وقال لامرأته :
--> [ 1 ] في الأصل : « وليس » .